زكريا القزويني

186

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

( أما القسم الأول ) فنقول : إذا احتبست مياه الأمطار والأنداء في المعادن والكهوف والأهوية لا يخالطها شيء من الأجزاء الأرضية ، وأثرت فيها حرارة المعدن وطال وقوفها هناك ازدادت المياه صفاء وثقلا وغلظا فينعقد منها الأحجار الصلبة التي لا تتأثر من النار والماء ؛ كأنواع اليواقيت ، وما شاكلها فذهب قوم إلى أن اختلاف ألوانها ؛ بسبب حرارة المعدن وقلتها وكثرتها ، وقال آخرون : بسبب أنواع الكواكب التي تدل على ذلك النوع من الجواهر ومطارح شعاعاتها على تلك البلاد فزعموا أن السواد لزحل ، والخضرة للمشتري ، والحمرة للمريخ ، والصفرة للشمس ، والزرقة للزهرة ، والمتلون لعطارد ، والبياض للقمر ، واللّه والموفق للصواب . ( وأما القسم الثاني ) فيتولد من امتزاج الماء بالأرض إذا كان فيها لزوجة وأثرت فيها حرارة الشمس مدة طويلة كما ترى النار إذا أثرت في اللبن فتصلبها وتجعلها آجرا ؛ فإن الآجر أيضا صنف من الحجر إلّا أنه رخو ، وكلما كان تأثير النار أكثر كان أصلب . ثم إن هذه الأحجار تختلف باختلاف بقاعها ، فإن كانت في بقاع ترابية وطين انعقد حجرا مطلقا ، وإن كانت في بقاع سبخة تولد منها أنواع الأملاح والبوارق والشبوب ، وإن كان في بقاع عفصية تولدت منها ضروب الزاجات : الأحمر ، والأصفر ، والأخضر ، ونحوها ، ولكل موضع خاصية لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، وقد ينعقد الحجر من الماء فإنا نرى في بعض المواضع ينعقد الحجر من الماء وذلك إما من خاصية ذلك الماء ، أو من خاصية ذلك الموضع ، وقد يتولد الحجر في الهواء وذلك من أجزاء دخانية يغلب عليها الأرضية فإذا ضربها البرد انطفت حرارتها وتصير حجرا وقد يقع في وسط الصواعق مثل : هذه الأحجار ، ومثل الحديد والنحاس ، قال الشيخ الرئيس : أخذت من هذه الأجسام وعرضتها على النار ؛ لتذوب فما حصل منه الذوبان وارتفع منه دخان يضرب إلى الخضرة ، وما زال هكذا حتى صار رمادا . ( وحكى ) الشيخ الرئيس أيضا : أن في زمانه وقع من الهواء بأرض جورجابان جسم كقطعة حديد في قدر خمسين منا كحبات الجاورس المنضمة فما كان يتناثر من الحديد ، والجواهر المعدنية كثيرة لا يعرف الإنسان منها إلّا القليل ، فمن الحكماء من كان له بها عناية بحث عنها ، واستخرج خاصية بعضها فأوردنا طرفا منها وما فيها من الخواص العجيبة ومعادنها وكيفية جلبها ، فأقول وباللّه التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل . ( إثمد ) قال أرسطو : هو حجر معروف له معادن كثيرة ، وأغلبها في أكناف المشرق ، وأجود أصنافه الأصفهاني ، وهو حجر يخالطه الرصاص ينفع العيون اكتحالا ، ويرفع عنها طبق الماء